زكي مبارك

76

عبقرية الشريف الرضي

لم تكن في النموذج ، فأدركت أن المثال يستعين النموذج على تذكر ما كان فتن به في عالم العيان . فالشريف يجسم معاني الاخوة وهو يبكي أصدقاءه المجهولين وهو أيضا يشرع للناس مذاهب الوفاء ، وللشعر في صدر ذلك الرجل جوهر لا يملك مثله إلا من اصطفاهم اللَّه للتعبير عن حقائق الوجود . أيها السادة إنكم في غنى عن التذكير بما في آداب المجتمع من أوهام وأغاليط فلا تضق صدوركم حين يطوي الشريف أسماء فريق من الذين سكب على قبورهم شابيب الدمع السخين ، وإنما أرجوكم أن تتمثلوا ديوان شعره شبيها بمصانع الرسامين والنحاتين في القديم والحديث ، فليس يعلم إلا اللَّه من الذين يعنيهم فنان مثل احمد راسم أو فنان مثل محمود سعيد ، كما لا يعلم إلا اللَّه من الذين كان يعنيهم البحتري وهو يفتح قصائد المديح بالنسيب . إن قلب الشاعر كالغابة الشجراء ، لا يعرف مجاهلها غير الأيقاظ من الادلاء ، وقد دللتكم على قلب الشاعر الذي اسمه الشريف لأنه أقدم صديق عرفته في بغداد ، وإني لأرجو أن يعذرني حين يراني نممت عليه ، فما أذكر أننا تعاهدنا على كتمان هذه الأحاسيس . واليكم شواهد من شعره في بكاء المغمورين ، قال من قصيدة : مالي أودع كل يوم ظاعنا * لو كنت آمل للوداع لقاء وأروح اذكر ما أكون لعهده * فكأنني استودعته الأحشاء فرغت يدي منه وقد رجعت به * أيدي النوائب والخطوب ملاء أحبابي الأدنين كم ألقى بكم * داء يمض فلا أداوي الداء